الأحد، 17 فبراير 2013

قصة حياة سقراط


المقدمه
سقراط (469 ـ 399 ق.م). فيلسوف(1) ومعلم يوناني(2) جعلت منه حياته وآراؤه وطريقة موته الشجاعة، أحد أشهر الشخصيات التي نالت الإعجاب في التاريخ. صرف سقراط حياته تمامًا للبحث عن الحقيقة والخير. لم يترك أن سقراط أية مؤلفات، وقد عُرِفت معظم المعلومات عن حياته وتعاليمه من تلميذيه المؤرخ زينفون والفيلسوف أفلاطون(3)، بالإضافة إلى ما كتبه عنه أريسطوفانيس وأرسطو(4). وُلد سقراط وعاش في أثينا(5). وكان ملبسه بسيطًا. وعُرف عنه تواضعه في المأكل والمشرب. وتزوج من زانْثِب التي عُرف عنها حسب الروايات أنها كانت حادة الطبع ويصعب العيش معها. وقد أنجبت له طفلين على الأقل.
كان سقراط يعلم الناس في الشوارع والأسواق والملاعب. وكان أسلوب تدريسه يعتمد على توجيه أسئلة إلى مستمعيه، ثم يُبين لهم مدى عدم كفاية أجوبتهم. قُدّمَ سقراط للمحاكمة وُوجهت إليه تهمة إفساد الشباب والإساءة إلى التقاليد الدينية. وكان سقراط يُلمحُ إلى أن الحكام يجب أن يكونوا من أولئك الرجال الذين يعرفون كيف يحكمون، وليس بالضرورة أولئك الذين يتم انتخابهم. وكان سقراط يؤمن بأن الأسلوب السليم لاكتشاف الخصائص العامة هو الطريقة الاستقرائية المسماة بالجدلية؛ أي مناقشة الحقائق الخاصة للوصول إلى فكرة عامة. وقد أخذت هذه العملية شكل الحوار الجدلي الذي عرف فيما بعد باسم الطريقة السقراطية.

الموت من أجل الحقيقة
ومما تميز به سقراط في مناقشاته وحواراته، اصراره الدائم على ترسيخ الفضيلة في مواجهة الرذيلة.. فقال:
«الفضيلة علم، والرذيلة جهل.. ولو علم الانسان ماهية الفضيلة فلا شك انه سيعمل بها، ولو علم ماهية الرذيلة فلا بد ان يتجنبها».
وقد حظيت (الفضيلة) و(الرذيلة) بعناية الفلاسفة والمفكرين الاخلاقيين عناية كبرى، فامتدح الفيثاغوريون، الصداقة، وعاشوا فضيلتها، ومارسوا اساليب التقشف، ومحاسبة النفس.. وحاول هيروقليطس ربط العقائد الاخلاقية بمذاهب الفلسفة، واعتقد السفسطائيون: ان الانسان مقياس كل شيء، وان الحكمة هي فن بلوغ السعادة.
الى ان جاء سقراط، وقرر ان العدالة وسائر الفضائل تتلخص في الحكمة او معرفة الخير، وان السعادة تتحقق بممارسة الفضيلة.. ثم ربط بين امرين، الاول: ان الفضيلة علم، والثاني: انه من الممكن تعليمها ما دامت علما.. فإذا ثبت عدم صحة الفرضية الاولى، ثبت تبعا لذلك انعدام صحة الفرضية الثانية.
والمعروف ان سقراط لم يكن يتناول اجرا على قيامه بمهنة التعليم لأنه يؤمن ان المعرفة موجودة داخل النفس البشرية، ويستطيع المرء ان يستنبطها بالتوليد، فكيف يأخذ المعلم اجرا على شيء ليس في ملكه؟! قد يكون الاجر جائزا في تعليم المهن الصناعية والحرف، اما عندما يكون التعليم يستهدف ترسيخ الفضائل التي من الممكن ان يجبل عليها الانسان باعتبارها متأصلة فيه، فهذا ما لا يجوز في عرف سقراط ولهذا نجد ان الكاتب المسرحي الكوميدي ارسطوفان جعل من سقراط مدعاة للسخرية في مسرحية (السحب)، واتهمه فيها انه يستغل تلامذته فيأخذ منهم المال ويعطيهم الخيال حتى يقال ان تلك المسرحية كانت من جملة الاسباب التي اشاعت عن سقراط تهمة افساد الشباب وتحويل ارائهم وجعلهم يثورون على العادات الجارية والتقاليد الموروثة في مجتمعاتهم.
وهذا حق، فسقراط كان يدعو الشباب الى الثورة على الموروث ولكنه لم يكن يتناول اجرا على التعليم ـ كما صورته المسرحية ـ... وهو لم يعلم تلامذته ان يسلكوا مسلك المناهج الفلسفية السابقة عليه التي تدعو الانسان الى ان يتغلب على الآخرين باستخدام قوة البيان، حتى وان كان ذلك التغلب يسلك طريق الباطل... فسقراط كان يهدف دائما في تعاليمه الى استخدام اشرف الطرق وانبلها الى بلوغ الحقيقة.
وعلى الرغم من الشهرة الكبيرة والصيت الذائع لسقراط، فإن الوقوف على فلسفته على وجه اليقين، ظل امرا محيرا وعسيرا جدا، وذلك يرجع الى سبب اساسي، وهو ان هذا الفيلسوف لم يكتب في حياته حرفا واحدا، وانما انتقلت آراؤه وافكاره عبر تلامذته بعد وفاته، مما جعل بعض المحدثين في اوروبا ينكرون صحة وجود سقراط اصلا، وزعم هذا البعض ان افلاطون هو الذي كتب معظم تلك المأثورات والحوارات التي كانت تحدث بين سقراط ومحاوريه.. وانه ـ أي افلاطون ـ قد تخفى وراء اسم سقراط لأسباب، لا مجال لشرحها في ما نحن بصدده.
وهذا الافراط في الشك لدى المنكرين لوجود الفيلسوف سقراط ليس له ما يبرره، لأن افلاطون لم يكن تلميذه الوحيد فـ (زينوفون) كتب هو الاخر نفس المحاورات السقراطية، بأسلوب اخر يختلف عن الاساليب التي اتبعها تلامذة سقراط.. بل ان ارسطو ـ وهو لم يلتق بسقراط لكنه قريب العهد به ـ قد ذكر آراء سقراط في اكثر من كتاب.
لقد كان الاتجاه الفلسفي قبل سقراط شديد الاهتمام ـ كما اشرنا ـ بالعوالم الخارجية الى ان جاء هو ليتجه بالفلسفة نحو البحث في داخل اعماق النفس البشرية، فاتخذ من الانسان وطبائعه وغرائزه مادة اساسية في حواراته وتعاليمه وقد تمثل ذلك في حكمته المشهورة التي دونت على باب معهد دلفي: (اعرف نفسك).. لذا قيل ان سقراط هو الذي انزل الفلسفة من عليائها الى الارض.
أما الاسلوب الذي اتبعه ذلك الفيلسوف في نهجه الفلسفي فهو عبارة عن مناقشة تدور بين شخصين او اكثر في هيئة سؤال وجواب، وقد يكون ذلك السؤال استنكاريا او استفهاميا او تهكميا ساخرا.. الخ. وفي النهاية يجب ان يصل المتحاورون الى نتيجة قد تقودهم الى التسليم او الى الرفض، فإن سلم المستفسرون من المتحاورين بما يقال، ترتبت على ذلك امور، وان سلموا بما يناقضه، ترتبت على ذلك امور اخرى، ولكن لا بد من التسليم باحدى النتائج المستخلصة من الحوار في كل الاحوال.
وهذا النوع من الحوارات كان يستخدمه السفسطائيون(6) وهم من كانوا يقومون بمهمة التعليم في فن الخطابة والبيان، وهي بضاعة قد نشطت ـ آنذاك ـ بسبب اخذ اليونانيين بالمنهج الديموقراطي الذي كان يقتضي من المرشحين ان يكونوا من ذوي الحجة والقدرة على الافصاح عن افكارهم لاقناع الناخبين بما يمتلكون من قوة البيان سواء كانوا على حق ام على باطل!!
وقد عاش سقراط في هذه الاجواء، وكان هو الآخر يقوم بمهنة التعليم مثل السفسطائيين، لكنه اختلف عنهم، لأنه لم يكن يأخذ بمبدأ القوة كأساس للحق، ولا بمبدأ نسبية الحق، وانه تابع ـ اي الحق ـ لما يراه كل انسان حسب مصالحه.
.. والحوار السقراطي اتخذ طابعا معينا تميز به سقراط عن سواه، فهو يوقع محاوره او خصمه في الارتباك، ولا يبادر في الاتيان على الاجوبة في ما يطرحه من تساؤلات، ولكنه يستخرجها من محاوره نفسه، وبعبارة اخرى (يولدها).
هذا النهج اذن يدعو الى ان يفكر الانسان في نفسه، وان يمعن النظر في الآراء والمعتقدات، ولا يأخذ بها كقضايا مسلمة.. فإن فعل المرء ذلك اندحرت اذن تلك القداسة التي كثيرا ما تخلع على العادات والتقاليد والمعتقدات الموروثة، ويتبين للمرء ان بعضها صحيح، وبعضها الآخر فاسد، وانها ليست كلها حقا بل ان كثيرا منها يقوم على الباطل.
والقول بأن قوانين الدولة ومعتقداتها باطلة، كان يعد (ثورة) عليها، واكثر من كان يتأثر بهذه التعاليم السقراطية هم الشباب لان الشيوخ بعد ان تمرسوا باتباع التقاليد الجارية في حياتهم والموروثة من قرون سابقة، يصعب التأثير عليهم. فلما اخذ سقراط ينشر تعاليمه متبعا ذلك الاسلوب الذي يثير التفكير سعيا وراء الحق، وابتعادا عن الباطل، وتبعه في ذلك عدد من طليعة شباب اثينا، اتهمه اصحاب المصالح السياسية بأنه مصدر متاعب للدولة باعتباره يؤلب الشباب على ما هو سائد وموروث، ويدعو الى الثورة عليه.
ومن المحاورات والمناقشات الهامة التي كثيرا ما تذكر بين خرميدس وسقراط مناقشة كانت تدور حول تعريف (العفة) حيث قال سقراط فيها: إنه من الواضح اذا كان الانسان يملك فضيلة العفة، فلا بد ان يتصورها، او ان لديه عنها مفهوما معينا.. فأجابه خرميدس: «العفة ان يظهر المرء وقارا هادئا في كل افعاله، في مشيته، وحديثه وجميع سلوكياته، وعلى الاجمال: فإن العفة تتلخص في البعد عن التهور والتسرع».
وترتب على هذه المناقشة ان انبثقت تعريفات اخرى لمعانٍ تشتمل على التسرع، فقيل انه مطلوب في امور كثيرة، وان البطء مذموم فيها.. ويستمر النقاش عن العفة التي قال البعض انها تدعو المرء لان يحمر وجهه خجلا لينعكس ذلك الخجل على النفس، وما ان اشبع هذا الامر نقاشا، واذا بتعريف آخر يظهر ان العفة ترتبط بمعرفة الانسان لنفسه.. وهناء تقترب المحاورة بعض الشيء من مذهب سقراط الذي تدور فلسفته حول معرفة النفس البشرية.
ولم يكن التحاور مقصورا على سقراط، فهناك محاورون عرفوا ببراعتهم منهم جورجياس وهو سفسطائي مشهور وخطيب لامع، اكتسب ثروة كبيرة من صناعة الخطابة، وهو من دعاة القوة وفرض الارادة باستخدام كل الاساليب للوصول الى تحقيق اي اهداف يسعى اليها الفرد.
ولم يكن جورجياس مموها يبغي التزييف والمغالطة، وانما كان مؤمنا بمذهبه كأسلوب في الحياة من منظوره، لكن سقراط يقف في الجانب الآخر المعاكس لطريق جوجياس حيث العدل والحكمة والحق، وهي معانٍ تحقق للانسان انسانيته بمعنى الكلمة، وهذا ما فعله ودافع عنه لدرجة انه دفع حياته ثمنا لتأكيد تلك المعاني.
واذا جاز لنا ان نحكم من خلال مشاهدة ذلك التمثال النصفي الذي وصل الينا من انقاض التماثيل اليونانية القديمة، يمكن ان نقول ان سقراط كان بعيدا كل البعد عن الوسامة، فهو اصلع الرأس، ذو وجه كبير مستدير وعينين عميقتين ذاتا فراسة وانف كبير عريض مفلطح ولكننا لو اعدنا النظر في التمثال الرخامي لوجه سقراط، لوجدنا فيه شيئا من الدماثة واللطافة والبساطة، وهذه الصفات هي التي جعلت من هذا الفيلسوف والمفكر الانساني معلما محبوبا عند افضل شباب اثينا.
ومع ان معرفتنا بسقراط معرفة قليلة، لا تتجاوز حدود ما وصل الينا مما كتبه افلاطون عنه، الا ان صورته قد استنبطت باذهاننا بتلك الهيئة المهلهلة الثياب، وهو يسير بتؤدة في الهواء الطلق، غير عابئ بسخافات السياسة، ولا بمفرداتها.
وقد كان الشباب يستمتعون بتحليلاته، وهجومه العنيف على النظام الديموقراطي في اثينا، بل ان هؤلاء الشباب كانوا ينظرون إليه بزهو واعجاب عندما كان يحاور مناقشيه ببراعة، ليلقي بالواحد منهم تلو الآخر فرائس سهلة بعد مهاجمته اياهم بالحجة القوية، والمنطق الحذق، والبراهين المقنعة.

محاكمة سقراط

خمسمائة قاض وقاض جلسوا ، الواحد بجانب الاخر ، على المدرج ذي المقاعد الخشبية المغطاه بالحصر ، وفي مواجهتهم ، رئيس المحكمة محاطاً بكاتبه والحرس . وفي اسفل المدرج وضع الصندوق الذي سيضع فيه القضاه احكامهم بعد انتهاء المحاكمة . الجلسة علنيه . ولا يسمح فيها لغير الرجال بالحضور . اما الطقس ، فقد كان جميلاً ، مما ادخل الارتياح الى نفوس الجميع وجعلهم يأملون بجلسة كاملة لا يربك مجراها مطر يهطل على الرؤوس او برد يعطل تواصل الافكار . واذا بدا لنا ان انعقاد محكمة في الهواء الطلق امر مستغرب بل وطريف ، اليوم ، فلنتذكر اننا في اثينا ، في صباح من اصبحة ربيع عام 399 قبل الميلاد .

اثينا هذه التي قدمت الديمقراطية للعالم ، تعيش فترة عصيبة ، لقد هزمتها سبارطة في حرب دامت بينهما سبعاً وعشرين سنة ، وفرضت عليها شروطاً قاسية . منها نظام "الثلاثين مستبداً " بقيادة احد ابنائها ، كرينياس ، الذي تخلص منه الاثنيون منذ وقت ليس ببعيد . في هذا الجو من القنوط الوطني . كثرت الاحقاد وتعددت حوادث تصفية الحسابات لكن العدالة ظلت تعمل والقضاة في اثينا ، وعددهم ستة الاف ، مواطنون متطوعون يجري اخبارهم سنوياً بشكل عشوائي . وهم يوزعون ، بعد الاختيار، في اثنتي عشرة محكمة في كل واحدة منها خمسمائة قاض وقاض .

متهم اليوم شيخ ذو لحية بيضاء وثياب رثة . انه ابن النحات سوفرونيسك والقابلة فيلا ريت وهو الملقب بسقراط . لكن ما هي التهمة التي سيحاكم اليوم على اساسها؟ لقد اتهمه احد المواطنين ، ويدعى مليتوس ، بالكفر بالالهه وبادخال شياطين جديدة الى المدينة وافساد الشبية . وهي تهمة تستحق عقوبة الموت . ومن هو سقراط هذا ؟ انه رجل بلغ السبعين من عمره ، قبيح المنظر بعينية الجاحظين وانفعه الافطس ووجهة الممتلئ ناهيك عن ثيابه المهملة والمكونة من معطف صوفي لا ازرار له ولا حزام . وفوق كل ذلك ، فأنه لا يمشي الا حافي القدمين ، في الصيف كما في الشتاء . ولد سقراط في اثينا عام 469 ق .م في عائلة تعمل في النحت وعبثاً حاول ابواه تعليمه المهنة . كان لا يميل الا للحوار ومناقشة الاخرين حول مختلف المواضيع داعياً اياهم الى التفكير معه والتأمل . كان يجوب المدينة يتحدث الى المار ويستوقف الشباب يفقههم في امور الوجود وجوانب الحياة . واثينا في ذلك العصر من الديمقراطية ، كانت تعج بالفلاسفة ورجال السياسة والاخلاق يسعى الناس اليهم عنهم اصول الفكر وكان هؤلاء يتقاضون عن تعليمهم اتعاباً باهظة في معظم الاحيان . اما سقراط فكان يرفض بيع فكره كان يعتبر ان الفلسفة ممارسة عضوية ويومية ، وانها وبالتالي ، نمط حياة . وغنى عن القول ان سقراط لم يكن مواطناً اثينيا كالاخرين . فهو لم يأبه لماديات الدنيا على لارغم من زواجة وانجابه ثلاثه اولاد بل كان دائم الزهد في ما يشغل الناس . وهذا ما جعله غامضاً ، بل وموضع سخرية في الكثير من الاحيان . غير ان سقراط لم يعدم وسيلة لتوضيح حقيقة أمره كان يرد على مسامع محاوريه ان حقيقة الهية تدفعه للتصرف وان هذه الحقيقة يمكن ان لا تكون سوى ضميره القابع في اعماق نفسه . تلك المشاعر وهذه الافكار هي التي لم ترق للبعض ، وهي التي اوصلته لان يمثل اليوم امام المحكمة ، باعتبار انه " يفسد الشبيبة ولا يؤمن بالهة المدينة " .

في بدء الجلسة لم يكن في نظام المحاكمات انذاك ما يسمى اليوم بالادعاء العام ، وقف المدعي الاول مليتوس يتكلم عن مفاسد سقراط في المجتمع . واعقبه مدعيان اخران ليكون وانيتوس وكلهم طلبوا الحكم بالاعدام على " العجوز الشرير " . ولانيتوس هذا مبرر اخر للادعاء على سقراط فقد كان ابنه تلميذا من تلاميذ الفيلسوف و " مضللاً به " وهذا ما يفسر انشغاله عن صنعه ابيه وهي الاتجار بالجلود . يضاف الى ذلك ان سقراط تهكم عليه مرة امام الناس خلال مناقشة ظهر فيها الجاهل وحديث النعمة على قدر كبير من السخف . ومن سوء طالع العجوز ايضاً ، ان كريتياس ، المستبد الدموي والعميل لسبارطة ، كان من بين تلاميذه ، في فترة من فترات حياته . اتخاذه كريتياس واخرين غيره ممقوتين في مجتنعهم تلامذه له هو من قبيل انفتاحة على الجميع ودون النظر الى ارائهم الساسية والفلسفة او الى نمط الحياة التي يعيشون . واذا توخينا الاختصار ، قلنا ان سقراط ، بأفكاره ومناقشاته ، بدأ يصبح شخصاً مزعجاً ، ليس للسلطات فقط ، بل للاباء الذين راى بعضهم ابناءه يخرجون عن طاعته ويلحقون بالمعلم.

بعد انتهاء المدعين الثلاثة من كلامهم ، جاء دور المتهم . ومن اجراءات المحاكمة الاثينية في ذلك العصر ان يتولى المتهم شخصياً الدفاع عن نفسه . واذا كان غير قادر ، فان محترفاً يقوم بتلقينه الدفاع وتحفيظه اياه عن ظهر قلب . يجب ان يستغرق الوقت الذي استغرقه الادعاء لا اكثر . بدأ سقراط دفاعه برد التهم ومن ثم ، بالانتقال الى الهجوم ، قال ان من يدعي العلم ، من بين كل من ناقشت وحاورت ، وانما هم جهلة ولا يفقهون من العلم شيئاً والحقيقة هي اني أعلم الناس . ذلك لان الناس يعتقدون انهم يعرفون شيئاً وهم ، في الواقع ، لايعرفون اي شئ . اما انافأني اعرف اني لا اعرف . وانتهى سقراط بتحذير القضاه من الحكم عليه بالموت . وأن فعلوا فانهم لن يجدوا مثله وسيغرقهم الاله والاثنيين في سبات ابدي . أما اذا لم يفعلوا فسيعود الى نشر افكاره كما فعل دائماً وكما اوحى له ضميره . لم يستدر سقراط عطف القضاه كما يفعل عادة المتهمون الماثلون امام مثل هذه المحكمة . لقد قال ما قاله وجلس دون اي انفعال . اما القضاه ، فقد بدأوا ينزلون المدرج ليضع كل واحد منهم حكمة في الصندوق . هذا الاقتراع هو أولي . انه ينحصر في تقرير تجريم او عدم تجريم المتهم .

قضت نتيجة التصويت بتجريم سقراط بفارق بسيط في الاصوات : 281 صوتاً ضد 220 . ويقتضى القانون الاثيني ، في هذه الحال ، ان يعين المتهم نفسه العقوبة التي يراها ، هو مناسبة . وقف سقراط وأعلن انه يسره ان تتعهده البريتانية ! وتعالى الصخب وصياح الاستنكار من الحضور الذين رأوا في كلامه تهكماً وسخرية من هيئة المحكمة ومن كل الموجودين . ذلك لان البريتانية مؤسسة اثينية تتعهد عظام الرجال وتتولى تأمين معيشتهم بشكل لائق وكريم .

ما أن سمع القضاة كلام سقراط ، حتى قرروا ان يصتوا بأنفسهم على نوع العقوبة ومستواها . نزلوا ثانية الى حيث الصندوق وصوتوا على ان يكون الحكم بالاعدام هو الجزاء الذي يجب ان يناله سقراط وذلك بأغلبية كبيرة . لقد اوقع الرجل نفسه في التهلكة بعد ان كان يمكنه ان ينقذها بتصرف اخر اكد للجميع انه يسعى للموت بكل رغبة وحماس .

مضى شهر على صدور الحكم . اما طريقة للتنفيذ فهي الاسهل من بين لائحة لا يخلو بعض بنودها من العنف : تجرع كمية من سم يحضر خصيصاً للمناسبة . خلال هذا الشهر . جاءه كريتون ، احد تلامذته المخلصين ، عرض عليه ان يقبل الهرب من السجن ، بعد ان يتدبر كريتون امر رشوة الحراس ، فرفض سقراط قائلاً بوجوب احترام العدالة وقوانينها ، حتى ولو كانت هذه القوانين جائزة .

هذا الشهر الذي فصل بين صدور الحكم وتنفيذه ، امضاه سقراط بهدوء أدهش المتصلين به من حراس ونزلاء . اما لماذا ابقي شهراً كاملاً ينتظر مصيره ، فهذا يعود الى ان تنفيذ احكام الاعدام لم يكن مسموحاً به في الشرائع الدينية انذاك الا بعد عودة الكهنة من جزيرة ديلوس .
وفي اليوم التالي لهذه العودة ، تجمهر تلامذته في السجن ووصلت زوجته . وما ان رأته والحراس يفكون اصفاده تمهيداً للاعدام ، حتى اجهشت بالبكاء ونتفت شعرها ومزقت ثيابها:
- اه يا زوجي ! هذه اخر مرة تتكلم واخر مرة ترى فيها اصدقاءك ! .. تأثر سقراط وطلب اليها ان تذهب . ثم التفت نحو اصدقائه وبدأ يحدثهم ويتناقش واياهم في مواضيع مختلفة في الفن والموت والروح .... وبينما هو كذلك ، اذ بالجلاد يقاطعه :
- لا تتحرك كثيراً يا سقراط ، والا يفقد السم مفعوله وللمرة الاولى ينفعل سقراط ويقول للجلاد:
- لماذا لا تضع كمية مضاعفة ؟ هذه مهنتك .
وعاد الى التحدث مع تلامذته الذين لم يتمكنوا من اخفاء اعجابهم ودهشتهم . لقد استطاع هذا الانسان ان ينتصر على غرائزه وعلى مخاوفه . وعندما اقترب الوقت المخصص لتجرع السم ، دخل سقراط غرفة مجاورة ليستحم وهو يقول :
- اريد ان اوفر على النساء تنظيف جثة ميت . طال الاستحمام والجلاد ينتظر على الباب . ولما خرج سقراط ، اقترب منه الجلاد وفي يده كأس السم . قدمه اليه وقال له :
- سقراط اعرف انك لن تشتمني كما يفعل الاخرون . انت عاقل وتستطيع ان تتحمل قدرك .
- مرحى لك ! هيا . ماذا علي ان افعل ؟
- لا شئ سوى خطوات قليلة بعد التجرع . وعندما تشعر بثقل في ساقيك ، عليك ان تستلقي والباقي يتولاه السم نفسه .
وتناول سقراط الكأس وتجرعه دفعة واحدة بكل هدوء . لم يتمالك تلامذته مشاعرهم فانفجروا يجهشون بالبكاء مثيرين غضب المعلم :
- ماذا تفعلون ؟ لقد أمرت زوجتي بالرحيل حتى لا أرى ما يشبه مظاهر الضعف هذه أريد ان أموت بصمت الخشوع . فتمالكوا مشاعركم .
وصمت الجميع فوراً . بعدها استلقى سقراط كما اشار جلاده . وجاء الجلاد يقيد رجليه ويقول له :
- هل تشعر بشيء؟
- كلا
وطفق الجلاد يشرح للحاضرين ان الموت يصل الى القلب بعد تبلغ البرودة الرجلين والبطن.
وعندما شعر سقراط بهده البرودة تصل الى بطنه ، اشار الى تلميذه المخلص كريتون بالاقتراب ليقول له بصوت ضعيف :
- كريتون ، في ذمتنا ديك لا يسكولاب . ادفع له ثمنه دون نقاش .
- حاضر يا سيدي . هل تريد شيئاً اخر ؟
لم يجب سقراط . لقد اغمضت عيناه ...

الهوامش

1. فيلسوف Philosopher كلمة يونانية بمعنى محب الحكمة,
2. اليونان هي دولة تقع في جنوب شرق أوروبا، على الرأس الجنوبي لـشبه الجزيرة البلقانية. يحدها شمالا كل من بلغاريا، مقدونيا وألبانيا، تركيا ومياه بحر إيجة شرقا، مياه البحر الأيوني والبحر الأبيض المتوسط غربا و جنوبا. تملك اليونان ارثا حضاريا عريقا، يعود تاريخه إلى آلاف السنين إلى الوراء. يعتبر المؤرخون الغربيون اليوم أن بلاد اليونان هي مهد الحضارة الغربية.
3. أفلاطون (عاش بين 427 ق.م - 347 ق.م) فيلسوف يوناني قديم, وأحد أعظم الفلاسفة الغربيين, حتى ان الفلسفة الغربية اعتبرت انها ماهي الا حواشي لأفلاطون.
4. أرسطو (384- 322 قبل الميلاد) فيلسوف يوناني قديم كان أحد تلاميذ أفلاطون و معلم الإسكندر الأكبر. كتب في مواضيع متعددة تشمل الفيزياء، و الشعر، و المنطق، و عبادة الحيوان، و الأحياء، و أشكال الحكم.
5. أثينا هي عاصمة اليونان وأكبر مدنه. يعود اسم المدينة لأثينا آلهة الحكمة الإغريقية.
6. السفسطائية كما تشير أغلب الكتب هو مذهب فكري-فلسفي نشأ في اليونان ابان نهاية القرن السادس وبداية القرن الخامس في بلاد الإغريق(اليونان حالياً)، بعد انحسار حكم الأوليغارشية(الأقلية) وظهور طبقة حاكمة جديدة ديمقراطية تمثل الشعب.


مراجع
- فريدريك نتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الاغريقي، ترجمة سهيل القش (بيروت: المؤسسة الجامعية، 1983) ص 43.
- اميل برهييه، الفلسفة اليونانية، ترجمة جورج طرابيشي (بيروت: دار الطليعة 1987) ص 56.
- ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانية (بيروت: دار العلم للملايين، 1991) ص 11. ويوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية (بيروت: دار القلم، د.ت) ص 15

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق